حسن حنفي
308
من العقيدة إلى الثورة
ب - النصر والخذلان . إذا كان التوفيق والسداد فعلين متجانسين فان النصر والخذلان فعلان متضادان . وقد يأتي التوفيق في مقابل الخذلان . وإذا كان من الطبيعي ، على أكثر تقدير ، أن يوفق الله ويسدد الخطى فكيف به يخذل ؟ وإذا كان من الطبيعي ألا يصدر عن الخير الا الخير فكيف يصدر عن الله الشر ؟ إذا كان الله فاعلا للخير فكيف يكون فاعلا للشر ؟ وإذا كان مقياس النصر والخذلان هو ايمان الانسان وصدقه في الفعل تصبح الإرادة الإلهية مشروطة بالفعل الانساني ، ويصبح الانسان هو الّذي يحدد الفعل الإلهي اما النصر واما الخذلان . وإذا كان الامر كله مرهونا بالاستطاعة التي يخلقها الله في ساعة الفعل فان هذه الاستطاعة لا تكون محايدة يستعملها الانسان بعد ذلك اما للخير أو الشر اما للعمل الصالح أو العمل المفسد ، اما للنفع أو للضر بل تتوجه ايجابا أم سلبا بفعل الله ، تنصر أو تخذل ، تهدى أو تضل ، تشرح أو تختم ، تفتح أو تطبع . ويستحيل أن يتم هذا التوجه بتميز مسبق أو عفويا عشوائيا بالمصادفة . وإذا كان المقياس هو حسن النية والصدق في أفعال الانسان يكون الانسان هو الّذي حدد اختيار الله ووجهة أفعاله . وإذا كانت الاستطاعة محايدة ، تكون للخير وتكون للشر ، بفعل الانسان ودون توجيه من الله يكون الانسان قادرا على التمييز بين الحسن والقبح وقادرا على توجيه الاستطاعة نحو الخير أو الشر ، وبالتالي ينصر نفسه أو يخذل نفسه ، وتظل الاستطاعة التي يجدها
--> كثيرا . فقد ذكر لفظ التوفيق 4 مرات ، اثنان لله « ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما » ( 35 : 4 ) ، « ان أريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله » ( 88 : 11 ) ويتم التوفيق اما بين الزوجين أو في المجتمع أي أن التوفيق هنا بمعنى المصالحة وإعادة التوحيد للاطراف المتنازعة وما دامت النية صادقة والغاية كاملة والباعث قوى ، والإرادة متوافرة فلا بد وأن يحدث التوفيق . توفيق الله هنا معناه ضرورة حدوث النتيجة إذا ما توفرت مقدماتها . أما لفظ السداد فقد ذكر خمس مرات لا بمعنى التسديد الاصطلاحي . فقد ذكر « السد » ثلاث مرات « والسدين » مرة واحدة بمعنى الختم والطبع والمنع وليس السداد . وذكرت صفة « سديد » للقول الصائب مثل فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 4 : 9 ) ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 33 : 70 ) .